التعليم

«مؤامرة التدمير».. كشف السيناريو المرسوم للقاهرة

«مؤامرة التدمير».. كشف السيناريو المرسوم للقاهرة“قسمًا بالله اللى هيقرب لمصر هشيله من على وش الأرض” الجملة السابقة جرت على لسان الرئيس عبد الفتاح السيسي في فبراير من العام الماضى 2016، وقتها لم يفسر الرئيس الطرف المقصود من التهديد، رغم حالة الغضب التي سيطرت على ملامحه أثناء قسمه.

أشهر مرت صارعت مصر خلالها أمواجا كثيرة شملت الإرهاب والاقتصاد ومواجهة أعداء بالداخل والخارج، وعاد الرئيس ليطلق تحذيرا جديدا خلال مؤتمر الشباب بالإسكندرية يوليو الماضى، متعلقا بضرورة توعية الشعب من خطورة محاولات “إفشال الدولة” أو إسقاطها.

تحذير “السيسي” العابر وسط كم هائل من التصريحات التي أطلقها خلال جلسات المؤتمر الوطنى للشباب بمحافظة الإسكندرية، تعامل البعض معه بخفة لا تتناسب مع خطورته، وتغافل المنتقدون خروج تصريحات على لسان رئيس دولة يحمل خلفية استخباراتية خلال مسيرته العسكرية قبل الجلوس على الكرسى السياسي.

صحيح أن الرجل حرص جيدا على الفصل، خلال حديثه، بين معلوماته الأمنية وتصريحاته السياسية، مكتفيَا بالتلميح دون الإفصاح عما يمتلكه من خلال أجهزة الدولة من معلومات تمس الأمن القومى والمخططات المحيطة بالبلاد الرامية إلى دفعها إلى الهاوية وإزالتها من خريطة العالم وتفتيتها لدويلات لا تُرى بالعين المجردة.

ندرة المعلومات حول المخططات التي تحاك ضد القاهرة، تدفعنا في البداية إلى توضيح معنى الدولة الفاشلة، ومن ثم الانتقال إلى طرق تفكيك الدول، وأخيرا عوامل الخطر المحيطة بها والمهددة لاستقرارها في ظل توقيت زمنى فارق في تاريخها الحديث لما تشهده من مرحلة انتقالية تهدف من خلالها للعودة إلى نقطة ارتكازها الإقليمى والدولى عقب أعوام من الانبطاح السياسي والاقتصادى تركه نظام الرئيس الأسبق حسنى مبارك خلال العشرية الأخيرة من فترة حكمه التي امتدت لثلاثة عقود.

سيناريو التفكيك
طرق تفكيك الدول، تبدأ غالبا بفتح أبواب العواصم الإقليمية والدولية المتآمرة لما تفضل تسميتهم بأطياف المعارضة – غير الوطنية- التي تقبل دور “الكومبارس” في تحريك الشارع ضد الحاكم، ويختار لكل عاصمة النموذج الجاهز للعب هذا الدور قبل الانفجار بسنوات وتحصل الجهات الخارجية على يمين الولاء من هذه التيارات، وبشرت الدراسة التي قدمها معهد “راند” الأمريكى التابع لوزارة الدفاع عام 2007 تحت عنوان “بناء شبكات مسلمة معتدلة” في الشرق الأوسط، بخطط الإدارة الأمريكية لاختيار فروع جماعة الإخوان بالدول العربية لتنفيذ هذه المهمة.

الخطوة الثانية في سيناريوهات التفكيك، تتمثل في تحويلها إلى “وكر جواسيس” عبر الفضاء الإلكتروني، في ظل انتهاء الشكل التقليدى لأعمال الجاسوسية التي كانت تستهدف في الماضى المؤسسات العسكرية فقط، وتحويل المواطن دون إدراك منه إلى قنبلة موقوتة جاهزة للانفجار عقب شحنها ببارود الشائعات والأكاذيب وتشكيكهم في الحكومات حتى وصولهم لمرحلة تفضيل الفوضى على الاستقرار، والتمرد على حكومته الشرعية بهدف فقدانها السيطرة على كامل أراضيها وإلهاء أجهزته الأمنية للسيطرة على العاصمة فقط.

بعد التأكد من الاختراق الداخلى وتحويل الدولة إلى ساحة حرب مفتوحة تنتشر بها الميليشيات على مختلف مسمياتها، تأتى الخطوة الثالثة المتمثلة في الحصار الاقتصادى وإفشال جميع المشاريع التنموية وتجفيف مواردها المالية بهدف الوصول في نهاية المطاف إلى إعلانها “دولة فاشلة” ووضعها تحت الوصايا الدولية فاقدة القدرة على صناعة قرار داخلى أو ممارسة سياسة خارجية.

حزام أزمات
عمليا وطبقا للأمواج السياسة العاتية التي ضربت القاهرة منذ ثورة 25 يناير 2011، نجت مصر بأعجوبة من إعلانها دولة فاشلة بعد صعود جماعة الإخوان إلى سدة الحكم مثلما حددت دراسة “معهد راند”، أيضا شهدت البلاد حالة من الفوضى العارمة وقد خططت السفيرة الأمريكية وقتها “آن باترسون” لخلق صراع مؤسسات بين الرئاسة في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، وبقية أجهزة الدولة لضمان سيطرة واشنطن على القرار المصرى ومصادرته داخل “البيت الأبيض”.

التآمر الإقليمي
تداعيات خروج الإخوان من الحكم وهدم المشروع الذي فتحت له خزائن الدول الإقليمية – قطر وتركيا- بهدف الانتقام من النظام القائم ومعاقبته على إسقاط مشروع إفشال الدولة، وتحولت حدود البلاد شرقا وغربا وجنوبا إلى بوابات عبور إقليمى للعناصر المتطرفة محملة بالأسلحة والأفكار المتطرفة، وتحولت مزاعم دعم الديمقراطية إلى لعب على المكشوف، وفاحت منه رائحة التخطيط الاستخباراتي.

الهدف المعلن الآن إقليما رغم مرارته لكنه دافع لإدراك مدى خطورته، فالخطة منذ اللحظة الأولى لم تهدف إلى إزاحة حاكم مستبد –مبارك- وشعار تغيير النظام اتضح أنه مجرد ستار لتفكيك مؤسسات الدولة وهدم الجيش المصرى ودفعه لسيناريو شبيه بالجيش السورى أو اليمنى وإلهائه في حرب شوارع للسيطرة على العاصمة دون غيرها وخروج القاهرة التاريخية من معادلة المنطقة برمتها لإفساح المجال لمشروع المصاهرة الثلاثى “التركى والإسرائيلى والإيراني”.

وبحسب قناعة المتآمرين على أمة منهكة، فإن إزاحة مصر من خريطة العالم هو البداية الحقيقة لتفكيك دول المنطقة العربية برمتها، وهذا السبب المفسر للمتعجب عن سر حرص دول الخليج على مساندة القاهرة بهدف الخروج من كبوتها السياسية والاقتصادية بهدف عودتها مسرعة إلى دورها الإقليمى لحماية ما تبقى من ركام أمة منهارة.

أمريكا وإسرائيل
نهوض القاهرة ودخولها مرحلة الإفاقة الإقليمية، وظهورها بقوة في جميع الأزمات المحيطة بها، سواء في ليبيا وسوريا واليمن وحتى لبنان والعراق، مثلما أزعج الأطراف الإقليمية التي استغلت غياب وجود كبير للمنطقة يمتلك دفة تحريكها، أزعج أيضا الإدارة الأمريكية التي أهلت نفسها للتعامل مع خريطة شرق أوسط خالية من الكبار، وبدا واضحا أنه رغم رحيل باراك أوباما وإدارته الديمقراطية التي تبنت أجندة الجماعات الإسلامية، لا تزال واشنطن تناصب القاهرة العداء على إفشال المشروع التي خططت له منذ سنوات، وتتحرك الآن في دوائر مشابهة لأعوام حكم أوباما، مع تراخى قبضة الرئيس الحالى الجمهورى دونالد ترامب، على مؤسسات الدولة العميقة هناك، والتي نجحت فعليا في جره إلى السياسة التقليدية في المنطقة لصالح مافيا شركات الأسلحة ولوبيهات الضغط التي تبتز العواصم العربية.

ورغم حرص “ترامب” على إظهار توافقه مع النظام المصرى الحالي، تشير تقديرات المراقبين إلى أن انقلاب المواقف وعودتها إلى مربع التآمر ضد القاهرة وتفخيخها مجددا على أمل إحياء المشروع أمر ليس بعيدا وبدأت تظهر بعض ملامحه في الأفق.
دولة الاحتلال الإسرائيلى العدو التاريخى لمصر بشكل خاص والعرب بشكل عام، لن تغفر صحوتها من حلم سقوط مصر إبان حكم الإخوان على كابوس استقرار مصر وتطوير جيشها وتحقيقه المرتبة العاشرة بقائمة أقوى جيوش العالم، بما يزعج الكيان المحتل الذي يدرك جيدا أن الحرب مع العرب رغم حالة اللا سلم واللا حرب ربما تدق طبولها خلال لحظات.

بريطانيا والغرب
أجهزة الاستخبارات في القارة الأوروبية وبشكل خاص بريطانيا، هي الأخرى ليست نظيفة اليد من الأزمات التي تشهدها مصر، والمساهمة الفاعلة في إعلانها دولة فاشلة، خصوصا أن عددا من العواصم الغربية بالرغم من الابتسامات الباردة للنظام المصري، تناصب السيسي العداء منذ سقوط حكم الإخوان وظهر دورها جليا في حادث الطائرة الروسية، ولن تنسى للقاهرة إقدامها على إغلاق المنظمات الحقوقية التابعة لها، والتي تعد في جوهرها الحقيقى مجرد أفرع لأجهزة الاستخبارات تمارس عملها تحت مسمى “الحقوق والحريات”.

أيضا إصرار الجانب المصرى على مساندة الدولة الليبية وإحياء دور جيشها الوطني، عامل انتقامى آخر لدى هذه العواصم بعدما وجدت في ليبيا “خزان نفط مجاني” بعد سقوط نظام العقيد الليبى معمر القذافى على يد قوات الناتو بهدف تمكين الميليشيات الإرهابية من البلاد ووضعها رهن إشارة الغرب مقابل غض الطرف والسلاح.

انتخابات 2018
توقيت تحذير السيسي الذي تزامن مع بداية النصف الأخير لعام 2017، يبعث القلق أيضا عما تمتلكه الدولة من معلومات مهمة في هذا الشأن، مع اقتراب نهاية الولاية الأولى للرئيس واستعداد القاهرة لتنظيم انتخابات رئاسية منتصف العام المقبل 2018، ومن المؤكد أن الجهات السالف ذكرها التي جمعها مغناطيس المؤامرة فوق الأراضى المصرية، تجد – الانتخابات الرئاسية- فرصة مواتية لعودة تنفيذ خطتها من جديد، إما من خلال نشر الفوضى بهدف عرقلة تنظيم هذه الانتخابات وعودة مصر إلى عصر “الجسد بلا رأس”، أو عبر الدفع بمرشح يدير له حملته الانتخابية رؤساء أجهزة استخبارات إقليمية ودولية.

الوضع الاقتصادي
اعتراف الرئيس أيضا في كل حديث بالأزمة الاقتصادية التي تعانى منها البلاد، يتماهى بشكل كبير مع تحذيراته من الخطط التآمرية على البلاد، فبعدما نجحت مصر في عبور حمم بركانية اندلعت خلال الأعوام الأخيرة شملت الإرهاب البدنى والنفسي، تمر الآن في حقل ألغام اقتصادية يستدعى من الجميع الحذر والانتباه والصبر، لكونه –الاقتصاد- العقدة الأخيرة القادرة على تعقيد حبل السياسة والعودة بالبلاد إلى نقطة الصفر في ظل نشاط ميليشيات ولجان الإرهاب على الصعيد الأمني والإلكترونى بهدف زعزعة الاستقرار وإحياء حالة الكراهية والعداء.

مصر أحسن سوريا
السخرية من مقولة “مصر أحسن من سوريا” وغيرها من دول الجوار العربى التي تعانى الأزمات، ترمى إلى التقليل من الحراك الداخلى والخارجى الذي تشهده البلاد، ولن يدرك الشعب معناها الحقيقى سوى في حالة سقوط الدولة، وفقدان الشعور بالأمن والاستقرار على النفس والعرض، وما حدث على الحدود السورية التركية خير دليل، بعدما أظهر مقطع فيديو انتشر بشكل واسع مؤخرا جنود الجيش التركى يسلحون مواطنين سوريين فارين من جحيم المعارك، وتبدل حال جيش رجب طيب أردوغان، من المساند للشعب السورى ضد نظامه إلى قاتل للراغبين في الحياة، وابتلاع حبة الدواء الاقتصادى المر الآن ربما تكون أفضل بكثير من الغرق في البحر على أمل الوصول إلى أحد الشواطئ الأوروبية هربا من جحيم دولة فاشلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى