مقالات واراء

أخطاء المذيعين لن تتوقف

 

أخطاء المذيعين لن تتوقف

د. ياسر عبد العزيز

يثور فى مصر جدل ساخن الآن على خلفية بعض الممارسات الإعلامية الحادة، التى بدأت تأخذ منحى خطيرًا، فى ظل تزايد تأثيرها فى الرأى العام المضطرب والمتوتر فى الأساس.

يقف وراء معظم تلك الممارسات الحادة مذيعون ومذيعات من النجوم الأكثر شهرة وانتشارًا وتمتعًا بالدخول الكبيرة، ويبدو أن ثمة علاقة طردية بين الممارسة الحادة من جانب والرواج و«النجاح» من جانب آخر؛ وهو الأمر الذى ينذر بكثير من المخاطر على صناعة الإعلام والرأى العام فى آن.

سيمكننا استخلاص العبر من بعض الوقائع التى حدثت فى نظم إعلامية مختلفة فى ما يخص تجاوزات الإعلاميين تحديدًا، كما سيكون من المهم جدًا معرفة كيفية تصرف وسائل الإعلام والمجتمعات التى ينتمى إليها معهم فى حال وقوعهم فى الخطأ.

تشير وقائع عديدة تجسد أخطاء ارتكبها إعلاميون وإعلاميات فى بيئات إعلامية مختلفة إلى جملة من الحقائق؛ أولاها أن المذيعين، مهما كانوا نجومًا، يرتكبون الأخطاء فى معظم دول العالم، وفى أفضل النظم الإعلامية، وثانيتها أن معظم تلك الأخطاء ينطلق من خلط الإعلامى بين الرأى والخبر، أو بين موقفه وبين ما يجب أن يقوله للجمهور، أو بين دوره كناقل للأخبار والأحداث، وميسر للنقاش العام إزاءها، وبين كونه زعيمًا سياسيًا أو مفكرًا أو قاضيًا أو محتكرًا للحقيقة.

تشير تلك الوقائع أيضًا إلى أن معظم هذه الأخطاء ينطوى على جرائم، وأن حرص بعض المجتمعات على عدم المساس بحرية الرأى والتعبير يؤدى إلى عدم توقيع عقوبات قضائية بحق هؤلاء الإعلاميين فى بعض تلك الوقائع.

.. لكن ما لا يمكن تجاهله فى معظم هذه الوقائع، إن لم يكن كلها، أن وسائل الإعلام الكبيرة التى يعمل بها هؤلاء الإعلاميون تتخذ إجراءات عقابية حاسمة فى حق المخطئين، وترسى معايير وتدابير فعالة للحد من أخطائهم، ليس من بينها عودتهم للعمل بذات الأسلوب عقب انقضاء العقوبة.

أما فى مصر، فثمة مذيعون ومذيعات يرتكبون الأخطاء الكبيرة، ويتعرضون إلى أشكال من النقد والمحاسبة، لكنهم يعودون إلى العمل سريعًا، ويقعون فى أخطاء أخرى مشابهة، ويفجرون المزيد من المشكلات، والسبب يكمن بوضوح فى أن الأقنية التى يعمل بها هؤلاء الإعلاميون تضمن لهم عروضًا جديدة للعمل كلما أثبتوا القدرة على تفجير الأزمات.

وبسبب ذلك، يكرر المجال الإعلامى المصرى سلسلة من المخالفات المريعة التى تُعرض على أقنية الإعلام الوطنى؛ ومنها إذاعة مكالمات هاتفية خاصة بغرض الحط من شأن شخصيات سياسية بعينها، وتوجيه الشتائم والاتهامات المرسلة لجماعات وشخصيات على الهواء مباشرة، وصولًا إلى توجيه الشتائم للجمهور ووصفه بأنه «خانع وأبله ومُفرط فى حقه»، فضلًا عن التسبب فى أزمات دبلوماسية مع بعض الدول، عبر إهانة السفراء والشخصيات القيادية، وطرد بعض الضيوف على الهواء، وغيرها من المخالفات المشهورة فى تاريخ العمل الإعلامى.

لكن الرابط فى كل المخالفات التى يرتكبها الإعلاميون المصريون فى هذه الممارسة الحادة والهوجاء هو الاستمرار والتصاعد من جهة، وعودة الإعلامى المخطئ إلى العمل دومًا بذات الطريقة التى فجرت الأزمات من جهة أخرى.

تقوم بعض وسائل الإعلام التى ينتمى إليها إعلاميون ارتكبوا تلك الأخطاء بتقديم اعتذار أحيانًا، لكن الإعلامى المخطئ عادة ما يعود إلى ارتكاب الأخطاء ذاتها، وبشغف أكبر. والأخطر من ذلك أن أهمية المذيع المخطئ ورواج برنامجه وسعة انتشاره تزداد بوضوح كلما كان الخطأ الذى يرتكبه أكبر وأكثر فداحة.

من دون محاسبة ناجعة للإعلاميين المتجاوزين، وتغيير طريقة عملهم الخاطئة، ستظل أخطاء الإعلام تتفاقم، ولا عزاء للجمهور، ولمهنة الإعلام.

لا يوجد مجتمع لا يعانى من ممارسات إعلامية حادة يرتكبها بعض النجوم تحديدًا، حيث تحدث تلك الممارسات فى معظم الدول، سواء كانت متقدمة أو نامية.

المصري اليوم

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى