مقالات واراء

محمد الدكرورى يكتب ..استباحة المال العام “الجزء الثامن”

إعداد / محمـــد الدكـــرورى

ونكمل الجزء الثامن عن مخاطر استباحة المال العام، وأما عن القول الثاني وهو أن الربح تبع للجهد المبذول لا لرأس المال، ومن ثم يكون الربح الناشيء من استثمار المال الحرام للآخذ وليس لرب المال، وهذا قول المالكية والشافعية مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم “الخراج بالضمان” رواه أحمد، فعلى مذهب الحنفية والحنابلة يلزم التخلص من كل المال رأس المال والربح، وعلى مذهب المالكية والشافعية يلزم التخلص من رأس المال فقط دون الربح، وهذا القول الأخير هو الأقرب إلى الصواب والأنسب بالقواعد والمقاصد الشرعية، وإذا لم يستطع الشخص التحلل مما أخذ لعدم قدرته على ذلك، فإنه يبقى في ذمته حتى يستطيع، وإن من صور الاعتداء على المال العام.

هو تعاطى الرشوة لإحقاق باطل أو إبطال حق كما هو شائع، فعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال “استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يُقال له ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم، قال هذا لكم وهذا أهدى إليّ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه، فينظر يُهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده، لا يأخذ أحد منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رُغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر” ثم رفع يده، حتى رأينا عُفرة إبطيه “اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت ثلاثا” فكل من أخذ رشوة أو حراما يأتي حاملا له على رقبته، مفضوحا به أمام الخلائق يوم القيامة بنص الحديث، ولهذا كان الخلفاء الراشدون.

حريصين أشد الحرص على المال العام، فهذا أبوبكر الصديق لما بويع للخلافة حدد له الصحابة راتبه من بيت المال، ثم سلموه لقحة وهى ناقة ذات لبن، وجفنة، وهو وعاء يوضع فيه الطعام، وقطيفة تلبس ويلف فيها من البرد، هذه عدة قصر الحاكم خليفة رسول الله، فلما حضرته الوفاة أمر بردها، ومن هذه الصور ما رواه عبد الرحمن بن نجيح قال نزلت على عمر ، فكانت له ناقة يحلبها، فانطلق غلامه ذات يوم فسقاه لبنا أنكره، فقال ويحك من أين هذا اللبن لك؟ قال يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها فشربها، فخليت لك ناقة من مال الله، فقال ويحك تسقينى نارا، واستحل ذلك اللبن من بعض الناس، فقيل هو لك حلال يا أمير المؤمنين ولحمها.

فهذا مثل من ورع أمير المؤمنين عمر ، حيث خشي من عذاب الله جل وعلا لما شرب ذلك اللبن مع أنه لم يتعمد ذلك، ولم تطمئن نفسه إلا بعد أن استحل ذلك من بعض كبار الصحابة الذين يمثلون المسلمين في ذلك الأمر، بل انظر كيف فرّق بحلاوة إيمانه ومذاقه بين طعم الحلال وبين ما فيه شبهة، وما أجمل هذه الصورة التي حدثت مع أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز رضى الله عنه حيث دخلت عليه ذات يوم عمته تطلب زيادة على راتبها من بيت مال المسلمين، وإذا به يأكل عدسا وبصلا، فلما كلمته في شأنها، قام عن طعامه وجاء بدراهم من فضة ووضعها على النار، ثم وضعها فى كيس، وقال لها خذي هذه الزيادة، فما إن قبضت عليه حتى طرحته أرضا.

لاحتراق يدها من شدة الحرارة، وكاد يغشى عليها، وقال لها عمر رضى الله عنه يا عمتاه إذا كان هذا حالك مع نار الدنيا، فكيف بنار الآخرة؟ وما أنا إلا عبد استودعه الله على خلق من خلقه، وخازن لبيت مال المسلمين أسأَل عن كل درهم فيه يوم القيامة، فكيف يكون حالي في ذلك اليوم إذا أنا أعطيتك درهما واحدا على باقي الرعية؟ ومن تلك الصور ما رواه عبدالله بن عمر رضى الله عنهما قائلا اشتريت إبلا أنجعتها الحمى، فلما سمنت قدمت بها، قال فدخل عمر السوق فرأى إبلا سمانا، فقال لمن هذه الإبل؟ قيل لعبدالله بن عمر، قال فجعل يقول يا عبدالله بن عمر بخ بخ، ابن أمير المؤمنين، قال ما هذه الإبل؟ قال قلت إبل اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى